لم يعد السؤال المطروح اليوم ما إذا كانت المواجهة الأميركية-الإيرانية ستتجدد، بل ما إذا كان السيناريو نفسه سيتكرر في المعركة الثانية، بعد أن اقتصر في المعركة الأولى على ثلاثة لاعبين مباشرين: أميركا وإسرائيل وإيران، فيما اكتفى الآخرون (أوروبا والخليج وروسيا والصين...) بالمشاركة المعنوية — علماً أن دول الخليج كانت الأكثر تضرراً جراء الضربات العسكرية التي تعرضت لها، فيما عانت أوروبا اقتصادياً بشكل ملموس — وكان موقف كل لاعب من هؤلاء معروفاً. إلا أن الحسابات السياسية والاقتصادية بقيت على حالها، مما يجعل المرحلة المقبلة أكثر تعقيداً من مجرد قياس موازين القوى العسكرية.
الرهان الأميركي الأساسي لا يزال قائماً على فرض تسوية من موقع القوة، عبر تكثيف الضربات العسكرية إلى الحد الذي يدفع إيران إلى قبول شروط جديدة تُعيد رسم قواعد الاشتباك في المنطقة. لكن حين يتعثر هذا الرهان، تتبدل الخيارات المتاحة؛ فالعودة إلى الطاولة بالشروط نفسها تصبح مستبعدة، فيما يتحول التصعيد إلى أداة لاستنباط أوراق تفاوض جديدة لا لتحقيق نصر عسكري حاسم.
ويجد الرئيس الأميركي نفسه أمام معادلة صعبة: المحافظة على صورة القوة والردع، مع تجنب حرب استنزاف يتعذر التحكم في مساراتها. وسيتمحور الخطاب حول تسويق فكرة أن إيران أُجبرت على إعادة حساباتها وأن واشنطن نجحت في تعديل قواعد الاشتباك، حتى لو لم تحقق جميع أهدافها.
كالعادة، يصطدم هذا الخيار بمجموعة من القيود؛ أولها أن دول الخليج التي باتت تتحمل كلفة أمنية واقتصادية مباشرة لا تستطيع تحمّل حرب استنزاف مفتوحة تهدد استقرارها ومشاريعها التنموية، لكنها في الوقت نفسه لا تستطيع القبول بإنهاء الحرب قبل التوصل إلى نتيجة تضع حداً للصواريخ والهجمات المتكررة عليها. وتدفعها هذه المعضلة إلى تأييد كل طرح من شأنه تحقيق هذه الغاية مع تفضيل الحل الدبلوماسي، إذ باتت مقتنعة بأن الحل العسكري بعيد المنال ولن يكون كافياً لوقف التهديد الإيراني.
أما أوروبا، فترى في استمرار الحرب خطراً يتجاوز الشرق الأوسط. فالتداعيات الاقتصادية وارتفاع كلفة الطاقة وتهديد الملاحة الدولية واحتمال موجات نزوح جديدة تجعل أولويتها الأساسية منعَ انفلات الصراع، بصرف النظر عما إذا كان القبول بتسوية ما يحقق أهداف واشنطن أو تل أبيب أم لا.
في المقابل، تواجه الإدارة الأميركية معضلة داخلية لا تقل تعقيداً؛ فالانتخابات النصفية تفرض إيقاعها على القرار السياسي، وحرب طويلة بلا نتائج واضحة ستتحول سريعاً إلى عبء انتخابي، خصوصاً إذا وقعت خسائر بشرية أكبر مما هو متوقع أو تصاعدت الكلفة الاقتصادية. لذلك يصبح الوقت عنصراً ضاغطاً على البيت الأبيض، ويغدو البحث عن إنجاز سياسي قابل للتسويق داخلياً أكثر أهمية من تحقيق انتصار عسكري كامل.
المعادلة نفسها تنطبق على إسرائيل، التي تدخل بدورها مرحلة سياسية حساسة مع اقتراب الاستحقاقات الانتخابية. فالقيادة الإسرائيلية تحتاج إلى إقناع الرأي العام بأن الحرب حققت أهدافاً استراتيجية، لكنها تدرك أيضاً أن استمرارها لفترة طويلة مع بقاء الجبهة الداخلية تحت الضغط قد يحول "الإنجازات العسكرية" إلى خسائر سياسية.
أما إيران، فتواجه وضعاً أكثر تعقيداً؛ إذ جعل غياب المرشد الجديد مجتبى خامنئي شبه الكامل عن المشهد العام مركزَ القرار أكثر اعتماداً على التوافق بين المؤسسة الدينية والحرس الثوري والأجهزة الأمنية. ولذلك لم يكن القبول بالذهاب إلى مفاوضات إسلام آباد تعبيراً عن تحول في الموقف السياسي، بل محاولة لالتقاط الأنفاس وإعادة ترتيب مراكز القرار الداخلي. إلا أن تعثر المسار التفاوضي وضع القيادة الجديدة في موقع إثبات قدرتها على إدارة مرحلة انتقالية حساسة، والحفاظ على تماسك النظام، ومواصلة الحرب من دون أن تبدو عاجزة عن فرض شروطها أو مضطرة إلى قبول تسوية يعتبرها الشارع الإيراني خضوعاً لإملاءات الخارج.
هذا الواقع يجعل استمرار الضغط العسكري هو الخيار الأكثر ترجيحاً، لكن بهدف إعادة تشكيل ميزان الردع، وليس الوصول إلى حسم شامل. وستسعى واشنطن إلى إضعاف القدرات الإيرانية بما يسمح لها بإعادة تعريف أهداف الحرب بصورة أكثر واقعية، فيما ستحاول طهران إثبات أن كلفة استمرار العمليات ستظل مرتفعة بما يكفي لمنع خصومها من فرض شروطهم.
من سينتصر في الحرب؟ ليست هذه هي المعضلة الحقيقية، بل من سيتمكن من صياغة نهاية يمكن تسويقها داخلياً على أنها انتصار؟ وهنا يكمن الفارق.






















































